محمد سعيد رمضان البوطي
203
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة كما سيأتي بيان ذلك . فكيف يكون سعد حيّا بعد عام من وفاته « 58 » ؟ ! وسببها ما بلغ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم من أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن ضرار ، فلما سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له ( المريسيع ) . فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم اللّه بني المصطلق وقتل من قتل منهم . وقسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلين للراجل سهم وللفارس سهمان « 59 » . وخرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين ، كان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة ، وذلك بما رأوا من اطراد النصر للمسلمين وطمعا في الغنيمة . وقد روى البخاري ومسلم من طريقين مختلفين أن بعض الصحابة استفتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في شأن العزل في هذه الغزوة - وذلك عندما قسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بينهم السبي - فقال لهم : « ما عليكم أن لا تفعلوا ، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة ، إلا وهي كائنة » . وروى ابن سعد في طبقاته وابن هشام في سيرته ، أن غلاما لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري تنازع مع سنان بن وبر الجهني ، وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النّبي صلّى اللّه عليه وسلم هناك ، وكادا أن يقتتلا ، فصرخ الجهني : « يا معشر الأنصار ، وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين ، فسمع بالأمر عبد اللّه بن أبي بن سلول ، فغضب وقال للرهط ممن معه : أو فعلوها ؟ ! . . قد نافرونا وكاثرونا في دارنا واللّه ما أعدنا وجلابيب قريش ( يقصد المسلمين من قريش ) إلا كما قالوا : سمّن كلبك يأكلك أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ » . وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم ، فمشى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخبره الأمر ، وكان عنده عمر رضي اللّه عنه ، فقال : « يا رسول اللّه مر به عبّاد بن بشر فليقتله ، فقال له عليه الصلاة والسلام : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا . ولكن أذن بالرحيل ، وذلك في ساعة لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل الناس . ومشى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذنتهم الشمس ، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما . وإنما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد اللّه بن أبي » .
--> ( 58 ) راجع للوقوف على تفصيل الدليل في هذا فتح الباري : 7 / 304 ، وزاد المعاد لابن القيم : 2 / 112 ، وعيون الأثر لابن سيّد الناس : 2 / 93 ( 59 ) طبقات ابن سعد : 3 / 106 ، وسيرة ابن هشام : 2 / 290